غطس في جهنم ...
التجربة هي خير برهان، فبعض التجارب تجرك للانغماس فيما يصعب انتشالك منه، خاصة وان الصور التي ترسخ في مخيلتك، صور قريبة منك وقد تكون صورتك، وبذا يكون انتشالك منك أصعب ما يكون، إذا ما تبدلت الصور أو أصابتها هزات زعزعت أركانها وبعثرت ملامحها..
في “وايلد وادي- الوادي البري”، الملهى المائي الكبير، والفرصة للهروب من لظى الصيف، وحرارة الجو المرتفعة فوق الخمسين، ورغبة في الاستمتاع بأجواء العبث والتزحلق على المياه، والعوم تحتها وفوقها وفي كل اتجاه، تجد نفسك محاصر منذ أن تدلف المكان وحتى تخرج دون ذاتك وصورتك، الوقت يضيق بك فالساعة التاسعة مساء هو وقت البدء! فتخيل أنك تقلب ساعة لهوك، فرحك، ونشاطك من أول النهار لآخر الليل، ولا ضير إن كانت الفرصة ستجلب لكَّ أجواء من المتعة وستبعدك عن الروتين و الحر وستجدد لكَّ معارف ووجوه تقضي معها أوقات تنعش هذا القيظ.
ليس هذا ما دفعني للكتابة وإنما نفور الصور، يافعات لا يشبهن إلا راقصات في ملهى، أو المتسكعات في الشوارع الرخيصة لبعض المدن التي تباع في شوارعها ( اللذة )، الباحثات عن الخيبة والضياع، ليس هذا فحسب المكان مفتوح والمراقبات ( بويات ) أي أنهن من الجنس الثالث، هذا يعني أن هذه المشاهد لا تستفزهم ولا تثير لديهم حفيظة، للوقوف عند حد، أو لوضع قوانين تحد من الممارسات والسلوكيات الشاذة، العابثة، ناهيك عن “كشك” للوشم والحفر على الأجساد وكأن أحد لم يعلم من خلال تعاليم الدين أن الوشم حرام، و في مقابل الراقصات المتغنجات اللاتي يلونّ وجوههن وأجسادهن ويرتدين أقل ما هو بالإمكان، أخريات يلبسن ملابس الرجال (شورتات، وقد قصصن شعورهن في سعيهن للتشبه بالرجال ) وغلو أصواتهن، وقبح ألفاظهن ، و تمادي حركاتهن، …
وهنا تبدأ حكاية الوجوه والصور الملوثة، التي لا تريد أن تراها في هذه البقعة الغالية عليك والموصولة بروحك وبالتائبين المسبحين المستغفرين، المهللين، المصلين ، العابدين، العارفين حدود الله وحدود الرغبة وحدود الفرح، وحدود الانتشاء، ولا تريدها أن تتحول لظاهرة تحاربها المياه ولا تغسل فضاعة مشاهدها بحار ولا محيطات، بل ونستحي أن نتوسل للبحر الشاهد على العمر مذ كنا وكان الأولين نقاء، قلوبهم وأرواحهم صفاء، ووجوههم تسبح على صفحات الماء أنقى من وجه السماء،أن يغسل الماء ويمحو زلل الطيش والعبث، التخبط ، والانسلاخ،ويطهر ما تبقى من ذوات .
كل السبل متاحة للفرح وللهو ملؤه وبعمق الماء، إلا أنك تجدهم يرتحلون بأجسادهم المبتلّه لانغماس من نوع آخر، فيخيّل لكَّ أنك من كثرتهم تشبههم، أو أنك في المكان الخطأ، وأن هذه الصور لأشباه بشر لا تربطك بهم الأرض ولا العرق، والدم، ولا القيمة ولا الدين، ولا تعنيهم الصورة والصيت، ولا يتمظّهرّن أمامك، فأنت غير موجود، وتسحبهم دون عينيك الرغبة في التمثل والاختلاف، وحدود الحياء تفسخت.
تحاول أن تصرف نظرك عنهم إلا أن المشاهد كثر، والصور ألوان وأمزجة، وأصوات تعلو لانتشاء تحت الماء، و طيوف من جنون، والوقت يمضي بك لتبحر أكثر في الانسلاخ والغربة وما وصلت إليه تلك اليافعات، من تردي وازدراء وتشوه، فيَّد الانفتاح والتحرر التي صافحناها ذات خريف لم تورق بعدها الحياة، ولا ربيع بين الفصول يكسي اليافعات عفة، وتعقلاً وحياء، ها نحن و صورتنا المشوهة عاجزين أمام أول تورط لعملية تجميل القبح الحاصل، التجربة كانت أبشع برهان، والعودة لخط الصفر، والصور البكر للإنسان محال…
طالعت قرارات في الصحف والإذاعات المحلية بقفل الباب أمام السيدات في الفترة المخصصة لهن من الوادي البري واقتصارها على الخلط طيلة الأسبوع، ولا تخصيص لهن بعد، وذلك لما شوهد إبان فترة السيدات من تجاوزات، وفي اعتقادي أن الجور صار أكبر والضيم تَلظّي أعظم، ففترة الخلط فيها تنعدم الصور فأنت خارج البلد في بقعة واقعها افتراض في افتراض وكأنك على شواطئ الكفر تتعرى من الدين والقيم، وتكتسي الإثم.
|