اليدُ الحائكة ..يدٌ مالكة
تنجلي عنك غشاوة التخبط في مجاهل ما ترى بمجرد ما تتكشف لك حقيقة اليد الداعمة والموجهة لمجمل الفعل المراد به التأثير على عقل وسلوك البشر، والمنهجية الأيدلوجية والثقافية التي ترفد وتغذي هذه المناشط، وخاصة في إعلامنا المحلي الذي انقاد بعربة العولمة والتحضر في كل شيء، ونسي خلفه أهمية الإنسان وقيمته والموضوعات التي تخدم وجوده وصيرورته.
في الإذاعة تسيطر عليك حالة من التسطيح والتسخيف والتهميش لأهم القضايا الراهنة، وكأنك في مجلس شعبي أو أنك في صالون حلاقة نسائي كل المواضيع إشاعات ومهاترات ومناورات لا تُصيب إلا طبلة الأذن؛ فترتطم بك الأصداء عبثاً مشوهاً وقاسياً، مؤكدا حتمية الغفلة في التواجد السمعي ردود أفعال المستمعين المنشغلين بشكل ملحوظ مع البرامج التي تصب في عمق التفاهة وتسخيف الأمور وغياب منهجية التعاطي، وإتباع الأسلوب الحضاري في التحاور، وآداب الصمت والإصغاء، ووضع أجندة الخطاب والتلقي.
نعم نحن مع إذاعات شعبية تخاطب الجماهير أينما كانت، بل ومع إذاعات مباشرة لسد احتياجات الجمهور البسيط في اللغة والتعبير والأسلوب، ولكنا مع أن تكون إدارة الموقف والأزمة والموضوع وإدارة الحوار بشكل راقي، و يرتقي بمستمع من نوع آخر يبحث عن الكلمة المهذبة والمثقَفة لإستقامات الفكر، وسد الفراغات بما يخدم بنية الإنسان فينا. ناهيك عن برامج التلفزيون والتي تجانب الصواب في كل ما تقدمه من برامج ومسلسلات وأفلام وحوارات ولقاءات، في قوالب لا تمد للواقع العربي بصلة، وإنما أصوات تصدح بنعيق خارج أسراب حمائمنا، فلا هي تصل بنا لبر المتعة الآمن ولا للتبعثر في فضاءات تشبهنا، فكلنا في القرية العالمية مشاع ولا فواصل بين الخاص والعام، ولك أن ترى تلفزيون الواقع كنموذج لهاذ الخلل .
اليد الداعمة قد تكون فكرة تنويرية أو تظليلية أو أسلوب أومنهجية يتأتى من خلالها التأثير المباشر وغير المباشر لسلوكيات الأفراد في المجتمع، فهل يعتقد أحدنا أن إعلامنا معافى في مقابل أنه يعاني من إفرازات الإعلام التي لم تكتفي بمناوشة الراحة في غفلة أجفاننا، وإنما تعدت ذلك لخلق نزف لا ينتهي ألماً على أحوالنا ( اعتداءات – اغتصاب مسنين، معاقين، أطفال– قتل- سرقات أموال دولة، ̷ أين نحن من إعلامنا، وأين هو منا ؟
هناك مجموعة لا تنتهي من الأسئلة حول المواثيق الأخلاقية للمهنة، وحول مدى اتساقها واندماجها مع قيمة مجتمعنا المحلي، ومبادرة أخلاقيات الإعلام التي لم تزل تجرجر أثواب نجاحها ( أشباح نجاحها ) منذ عام، لا بد أن نعترف أن ما وصلنا إيه فقاعة كبيرة ضاعت خلفها معالم المواطن، لأنها ببساطة ليست علم وثوب وعقال، وليست عباءة وليست يوله ومقناص ولا هي احتفالات وتمجيد للتقنيات، الوطن باختصار ملامح سمر وأنوف شم ، وأيادٍ قابضة على جمر التقاليد والأعراف.
|